ابن فرحون

29

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

فقال : أرى ما هناك يغيظهم ويكبتهم ، ارفعوا القباطي فرفعوها . وأما ما يتأوله بعض الناس أن الزخرفة مأذون فيها من قوله عليه الصّلاة والسّلام : « لا تقوم الساعة حتى تزخرف المساجد » « 1 » . فهو غلط بيّن ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم عدّ هذا من الأشياء التي تدل على فناء الدين وذهاب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . فقال : « من أشراط الساعة أن تزخرف المساجد كأنها البيع والكنائس » « 2 » . وإنا للّه وإنا إليه راجعون . ذهب الرجال العاملون بعلمهم * والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزيّن بعضهم * بعضا ليدفع معور عن معور وما أشين البدعة في مثل هذه الحضرة التي عرض على النبي صلى اللّه عليه وسلم تزيينها ورفع جذوعها . فقال : « بل عريش كعريش أخي موسى » « 3 » . أما ما فعل من ذلك لضرورة أو لعذر ما ، فيكاد أن يغتفر منه شيء ما وجد مبتدعه لبدعته عذرا إن خفف من ذلك قدرا ، وإنما الميزان القويم ، والقسطاس المستقيم ، في اتباع هذا النبي الكريم ، فالناس اليوم في جانب عن سنته واتباع ملته وطريقته ، وما أحق المجاورين له بالأدب معه ، والسؤال عن أحواله وأقواله فيتبعونها ، خصوصا قومة مسجده الشريف ، وخدّامه ، ويعلمون أن من خدمته صلى اللّه عليه وسلم تعظيم العلم وأهله ورفع منزلتهم والقيام بحقهم ، والتغافل عن زللهم والشفقة على ضعيفهم ، لأن منزلتهم من النبي صلى اللّه عليه وسلم رفيعة ، ونسبتهم إليه عظيمة ، إذ جعلهم الوارثين له ، ولا ميراث لهم إلا ما حملوه من سنته وشريعته . وفي الحديث أن أبا هريرة رضي اللّه عنه دخل السوق فقال لأهله :

--> ( 1 ) روى أبو داوود 311 ( 449 ) قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد » . ( 2 ) سنن ابن ماجة 1 / 244 ( 740 ) ، ورواية الحديث هنا بالمعنى . ( 3 ) سنن الدارمي 1 / 23 ( 38 ) .